ابن تيمية
23
مجموعة الفتاوى
ثُمَّ اخْتَصَّ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ : { اقْتَدُوا بالذين مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ } فَهَذَانِ أُمِرَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمَا وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أُمِرَ بِلُزُومِ سُنَّتِهِمْ . وَفِي هَذَا تَخْصِيصٌ لِلشَّيْخَيْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ " أَحَدُهُمَا " أَنَّ " السُّنَّةَ " مَا سَنُّوهُ لِلنَّاسِ . وَأَمَّا " الْقُدْوَةُ " فَيَدْخُلُ فِيهَا الِاقْتِدَاءُ بِهِمَا فِيمَا فَعَلَاهُ مِمَّا لَمْ يَجْعَلُوهُ سُنَّةً " الثَّانِي " أَنَّ السُّنَّةَ أَضَافَهَا إلَى الْخُلَفَاءِ ؛ لَا إلَى كُلٍّ مِنْهُمْ . فَقَدْ يُقَالُ : أَمَّا ذَلِكَ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ ؛ دُونَ مَا انْفَرَدَ بِهِ بَعْضُهُمْ . وَأَمَّا الْقُدْوَةُ فَعَيْنُ الْقُدْوَةِ بِهَذَا وَبِهَذَا . وَفِي هَذَا الْوَجْهِ نَظَرٌ . وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا . أَنَّ مَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ مِن الاجْتِهَادِ الَّذِي سَبَقَهُمَا بِمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَدَلَّتْ النُّصُوصُ وَمُوَافَقَةُ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ عَلَى رُجْحَانِهِ وَكَانَ سَبَبَهُ افْتِرَاقُ الْأُمَّةِ : لَا يُؤْمَرُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمَا فِيهِ ؛ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ سَاسَا الْأُمَّةَ بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ وَسَلِمَا مِن التَّأْوِيلِ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ . وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ غَلَّبَ الرَّغْبَةَ وَتَأَوَّلَ فِي الْأَمْوَالِ . وَعَلِيٌّ غَلَّبَ الرَّهْبَةَ وَتَأَوَّلَ فِي الدِّمَاءِ . وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ كَمُلَ زُهْدُهُمَا فِي الْمَالِ وَالرِّيَاسَةِ . وَعُثْمَانُ كَمُلَ زُهْدُهُ فِي الرِّيَاسَةِ . وَعَلِيٌّ كَمُلَ زُهْدُهُ فِي الْمَالِ .